ابن أبي أصيبعة

70

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ونحمله ونجبره على الوقوف عند أمره ونهيه فإنا إذا فعلنا ذلك صفى لنا غاية صفائه وأضىء لنا غاية إضاءته وبلغ بنا نهاية ما قصد بلوغنا به وكنا سعداء بما وهب اللّه لنا ومنّ به علينا ! ! وإننا نجد في الطب في الدولة الإسلامية مدرستين بارزتين : الأطباء الفلاسفة والفلاسفة الأطباء . الأطباء الفلاسفة ويمثلهم أبو بكر الرازي ، والفلاسفة الأطباء ويمثلهم ابن سينا . . وكما يقول جورج سارتون : « وهما يمثلان مذهبيين مختلفين ، ففريق المدرسيين « ابن سينا » درسوا الطب على أنه جزء من المعرفة لا غنى عنه ، أما فريق الممارسين « الرازي » فهم يهتمون في المقام الأول بالمرض والتشخيص والعلاج ، الفلسفة لديهم مجرد وسيلة للوصول للغاية وأسلوب الفريقين يختلف : المدرسيون يعنون بالتنظيم والتقسيم المنطقي والممارسون يعنون بالمشاهدات والدلالات » « 1 » . الرازي . . كأستاذ ومعلم للطب : يعد أبو بكر الرازي من معلمي الطب المتميزين فكان من أقدر الأساتذة على الشرح والتبسيط والنصح والإفادة فهو مثلا كان ينصح المهتمين بالطب ودراسته إلى طريقة دراسة المرض وذلك بطلب تعريفه أولا ثم معرفة العلة والسبب وهل ينقسم بسببه أو نوعه أم لا . . يقول الرازي « لطالب الطب : اطلب في كل مرض هذه الرؤوس « 2 » : المسمى التعريف أولا . . ومثاله أن نقول : إن مرض « ذات الجنب » هو اجتماع - حمّى حادة مع وخز في الأضلاع ، وضيق النفس ، وصلابة في النبض ، وسعلة يابسة منذ أول الأمر . ثم اطلب العلة والسبب .

--> ( 1 ) سارتون . . مقدمة تاريخ العلم : المجلد الأول ص 587 . ( 2 ) رسائل فلسفية لأبى بكر الرازي مع قطع من كتبه المفقودة ، الجزء الأول ، مطبوعات جامعة فؤاد الأول سنة 1939 ص 113 : ص 115 - نشر بول كراوس . ومحنة الطبيب ص 471 . . ونلاحظ في هذا النص مدى تأثر الرازي بمعظم منطق أرسطو حيث بدأ بحد التعريف وطلبه بعد التعريف بالعلة الانقسام لأجل السبب أو النوع . أما بالنسبة لحديثه عن الاستعداد والاحتراس والإنذار والعلاج فقد أخذه من جالينوس كما هو معروف في طب جالينوس .